نتائج الاختبار الدولي PISA وترتيب المغرب 73% من التلاميذ المغاربة لا يتوفرون على الحد الأدنى من الكفايات الأساسية

 

resultats-pisa-maroc-classement-analyse


شكل الإعلان الرسمي عن نتائج الاختبار الدولي لتقييم التلاميذ PISA (برنامج التقييم الدولي للتلاميذ) رجة تربوية عميقة داخل المنظومة التعليمية، حيث سلطت التقارير الصادرة عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) الضوء على واقع التحصيل الدراسي والكفايات الأساسية للمتعلمين في سن الخامسة عشرة. ومع توالي صدور تقييمات المنظمة، تطفو إلى واجهة النقاش العمومي والمهني أسئلة ملحة حول تموقع المنظومة التربوية الوطنية مقارنة بالأنظمة التعليمية الدولية، والجدوى الفعلية للبرامج الإصلاحية المتعاقبة. يتناول هذا المقال التحليلي قراءة مفصلة ودقيقة في معطيات الاختبار الدولي، مع تفكيك درجات وترتيب المغرب، ومقارنتها إقليمياً ودولياً، واستعراض التقييم المؤسساتي، وردود الفعل الرسمية الصادرة في بلاغات وزارة التربية الوطنية، وصولاً إلى استشراف سبل تجاوز أزمة التعلمات عبر نموذج مؤسسات الريادة وخارطة الطريق الإصلاحية.

ما هو البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ (PISA)؟ الإطار المرجعي والمنهجي

يُعد برنامج PISA (Programme for International Student Assessment) أضخم مسح تربوي دولي على مستوى العالم، تُشرف عليه منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية منذ انطلاقه في دورة عام 2000. ويتميز هذا الاختبار بمنهجية بيداغوجية فريدة تفصله تماماً عن التقييمات المدرسية التقليدية القائمة على الاستظهار وحفظ المقررات الدراسية.

1. الفلسفة التقويمية للدراسة

لا يسعى اختبار "بيزا" إلى قياس مدى حفظ التلاميذ للمناهج والكتب المدرسية الوطنية، بل يركز حصرياً على قياس الكفايات الوظيفية الحياتية؛ أي قدرة التلميذ البالغ من العمر 15 سنة (وهي سن نهاية مرحلة التعليم الإلزامي في معظم البلدان) على استثمار وتوظيف معارفه ومهاراته الذهنية في حل مشكلات واقعية ومعقدة تحاكي مواقف الحياة اليومية وسوق الشغل المستقبلي.

2. المجالات الأساسية الثلاثة للتقييم

تنتظم الدراسة حول ثلاثة مجالات كبرى، يتناوب أحدها ليكون المجال الرئيس في كل دورة تقييمية:

  • الثقافة الرياضية (Mathematics Literacy): قياس قدرة التلميذ على صياغة المشكلات وتوظيف المفاهيم الرياضية وتفسير الحلول والبيانات في سياقات علمية واجتماعية متنوعة.
  • الفهم القرائي (Reading Literacy): تقييم مهارات فهم النصوص المكتوبة، واستيعابها، واستخلاص الدلالات الصريحة والضمنية، والتفكير النقدي، والتمييز بين الحقائق والآراء.
  • الثقافة العلمية (Science Literacy): اختبار القدرة على تفسير الظواهر علمياً، وتصميم وتطبيق البحث والتحري العلمي، وتفسير المعطيات والأدلة البيانية بطريقة منطقية.

3. الدورية والعينة التمثيلية

يُجرى التقييم كل ثلاث سنوات على عينات عشوائية تمثيلية ومضبوطة إحصائياً في عشرات الدول المشاركة، تشمل آلاف التلاميذ من المؤسسات التعليمية العمومية والخصوصية، في الوسطين الحضري والقروي. وتخضع الاختبارات لبروتوكول موحد وصارم يضمن موثوقية المقارنة المعيارية، حيث يُحدد متوسط منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD Average) معياراً مرجعياً يستقر حول 500 نقطة.

قراءة تفصيلية في نتائج المغرب وموقعه في الترتيب الدولي

كشفت المعطيات الصادرة عن الاختبارات الدولية الأخيرة لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (الدورات الحديثة بما فيها دورتي 2022 و2025) عن واقع مقلق لمنظومة التعليم المغربية، حيث ظل التموضع الوطني متأخراً بشكل ملحوظ ضمن الثلث الأخير لقائمة الدول المشاركة عالمياً، مسجلاً فجوة حرجة تفصله عن المعدلات الدولية المعتمدة.

1. تحليل المعدلات الرقمية في المواد الأساسية

وفق المعطيات الرسمية الدقيقة، تأرجحت نتائج التلاميذ المغاربة في حدود مستويات تدعو إلى التوقف والتأمل البيداغوجي الصارم:

  • مادة الرياضيات: حقق التلاميذ المغاربة معدلاً استقر في حدود 355 إلى 365 نقطة، مسجلاً فجوة تزيد عن 110 نقاط مقارنة بمتوسط دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (الذي يتجاوز 470 نقطة). هذا التراجع يترجم عجز نسبة كبرى من المتعلمين عن حل المسائل الرياضية البسيطة متعددة الخطوات.
  • الفهم القرائي: سجل المغرب درجات متراجعة استقرت عند 321 إلى 339 نقطة، مبتعداً بأكثر من 140 نقطة عن المعدل المعياري لمنظمة OCDE. وتشير المعطيات إلى أن النسبة الساحقة من التلاميذ تواجه صعوبة بالغة في قراءة نصوص متوسطة الطول واستخراج أفكارها المحورية أو إبداء الرأي النقدي فيها.
  • الثقافة العلمية: استقرت نقطة المغرب في العلوم بين 358 و365 نقطة، مما يعكس ضعفاً بنيوياً في امتلاك أبجديات التفكير والمنهج العلمي الرصين.

2. موقع المغرب على سلم الترتيب العام

وضعت هذه المعدلات المتدنية المغرب في مراتب متأخرة تجاوزت المرتبة 79 إلى 86 عالمياً من بين أكثر من 80 دولة واقتصاداً مشاركاً في الدراسة. ويعني هذا التموضع أن المغرب يتموقع في ذيل القائمة الدولية رفقة بلدان تواجه تحديات تنموية واقتصادية قاهرة، مما يؤكد أن الإشكال لا يرتبط حصراً بالتمويل والموارد، بل يمتد إلى كفاءة النموذج البيداغوجي وآليات التدريس والتقويم المتبعة داخل الفصول الدراسية.

مقارنة النتائج: المغرب في مواجهة التجارب الدولية والإقليمية

تكتسي قراءة الأرقام دلالتها الحقيقية عند وضعها على طاولة المقارنة المعيارية مع النظم الرائدة في القارة الآسيوية والأوروبية، وكذا مع المنظومات التعليمية المتقاربة جغرافياً واقتصادياً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA):

الدولة / التكتل الرياضيات الفهم القرائي العلوم ملاحظات التحليل
سنغافورة 575 543 561 ريادة عالمية مطلقة في كافة المجالات
اليابان / كوريا الجنوبية 530 - 536 515 - 527 528 - 547 استقرار دائم في المراتب الخمس الأولى
متوسط دول OCDE 463 - 472 461 - 476 482 - 485 المعدل المرجعي العالمي المعياري
الإمارات العربية المتحدة 431 417 432 صدارة الدول العربية وقرب من متوسط OCDE
تركيا 453 456 476 نموذج للدول الصاعدة ذات القفزات النوعية
المغرب 355 321 358 فجوة تتراوح بين 110 و140 نقطة عن المعدل الدولي

دلالات المقارنة التربوية

توضح المعايير الإحصائية لمنظمة OCDE أن فارق 30 نقطة في اختبارات بيزا يوازي تأخراً دراسياً يعادل سنة كاملة من التحصيل والتمدرس النظامي. وباحتساب الفارق القائم بين معدل المغرب ومتوسط المنظمة (نحو 120 إلى 140 نقطة)، يتبين بوضوح أن التلميذ المغربي في سن الخامسة عشرة يتأخر بيداغوجياً بنحو ثلاث إلى أربع سنوات دراسية كاملة مقارنة بأقرانه في الدول المتقدمة؛ أي أن كفاياته الوظيفية تماثل كفايات تلميذ في سن الحادية عشرة أو الثانية عشرة في النظم التعليمية المرتكزة على المعايير العالمية.

التشخيص الميداني: أين تكمن المعضلة التربوية؟

إن تفكيك بنية الأداء الصادمة لتلاميذ المغرب يكشف عن اختلالات هيكلية تتجاوز الأرقام المجردة، وتمس عمق الممارسة الصفية والمحددات السوسيو-تربوية:

1. الهرم المقلوب للكفايات وتفشي الهشاشة المعرفية

أظهرت تقارير الدراسة أن ما يناهز 73.2% من التلاميذ المغاربة يقبعون في "المستوى الأدنى" (تحت المستوى الثاني - Level 2) في الكفايات الأساسية، وهو المستوى الذي تعتبره المنظمة عتبة أدنى لا غنى عنها للمشاركة الفعالة في المجتمع ومواصلة التعلم الذاتي. بالمقابل، لم تتجاوز نسبة التلاميذ المتفوقين في المستويات المتقدمة (المستويين الخامس والسادس) سوى 0.1% إلى 0.2%، مما يعكس غياب نخبة واسعة قادرة على خوض غمار التنافسية العلمية العالمية.

2. إشكالية لغة التدريس والازدواجية اللغوية

تتجلى أزمة الفهم القرائي في التردد البيداغوجي الذي طبع تدريس اللغات لعقود، حيث يُعاني المتعلمون من ارتباك لغوي واضح بين لغة التمدرس في الابتدائي (العربية) والانتقال المفاجئ أو غير المؤطر كفاية لتدريس المواد العلمية باللغة الأجنبية في الإعدادي والتأهيلي، مما يخلق عائقاً إدراكياً مزدوجاً؛ فلا المتعلم تمكن من ناصية القراءة الوظيفية بالعربية، ولا استوعب المفاهيم العلمية باللغة المستهدفة.

3. الزمن المدرسي وهدر التعلمات والتغيب

سجلت الاستبيانات المرافقة للاختبارات نسباً مقلقة بخصوص هدر زمن التمدرس والغياب، حيث بلغت نسبة التلاميذ الذين صرحوا بالغياب عن يوم دراسي كامل خلال الأسبوعين السابقين للاختبار أزيد من 36%، في حين أقر أكثر من 60% بالتغيب عن حصة دراسية واحدة على الأقل. ويضاف إلى ذلك أثر التوقفات والاضطرابات التي شهدتها الساحة التعليمية خلال السنوات الماضية، والتي أضرت بشكل مباشر بزمن التلقي والترسيخ البيداغوجي.

4. دور التوجيه المدرسي في توجيه الكفايات

يلعب مجال التوجيه المدرسي بالمغرب دوراً محورياً في هذا السياق؛ فالتقييم الدولي يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الخيارات والمسارات الدراسية تفتقر أحياناً إلى التأسيس الصلب على كفايات حقيقية. إن ضعف الرصد المبكر للتعثرات الدراسية يحرم أطر التوجيه والمواكبة التربوية من بناء مسارات علاجية دقيقة، مما يجعل تلميذ المرحلة الإعدادية يواجه اختبارات دولية متقدمة دون امتلاك المهارات الحياتية الضرورية لاختيار مساره الأكاديمي والمهني عن بينة واستحقاق.

ردود وزارة التربية الوطنية: التقييم يخص تركة الماضي ولا يقيس أثر "مؤسسات الريادة"

في تفاعلها مع الجدل الوطني والتقارير الإعلامية المواكبة لنتائج الاختبار الدولي PISA، سارعت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة إلى إصدار بلاغات وتوضيحات رسمية دقيقة لوضع النتائج في سياقها الزمني والبيداغوجي الحقيقي:

1. الأثر الزمني وجيل التقييم

أكدت الوزارة في توضيحاتها الرسمية أن العينة المشاركة في دورات PISA الأخيرة (تلاميذ سن 15 سنة المتمدرسين بالإعدادي والتأهيلي) تمثل جيلاً تربوياً خاض مساره الابتدائي والإعدادي في إطار المنظومة والبرامج السابقة، وتأثرت مسيرته بشكل مباشر بتداعيات جائحة كوفيد-19 والانقطاعات الدراسية، وبالتالي فإن هذه الاختبارات الدولية تعكس حصيلة تراكمات سنوات مضت من الممارسات التقليدية ولا يمكن اعتبارها حكماً على الإصلاحات الهيكلية الجارية حالياً.

2. مشروع "مؤسسات الريادة" وخارطة الطريق 2022-2026

شددت الوزارة على أن مشروع "مؤسسات الريادة"، الذي انطلق في مرحلته التجريبية بالمدارس الابتدائية خلال الموسم 2023-2024 وتم توسيعه تدريجياً ليشمل السلك الثانوي الإعدادي، يستهدف معالجة هذا الإشكال تحديداً في المهد. ويرتكز المشروع على:

  • التدريس وفق المستوى المناسب (TaRL): آلية تصحيحية ومعالجة ميدانية لمعالجة التعثرات التراكمية في القراءة والحساب في وقت مبكر.
  • التدريس الصريح (Explicit Instruction): منهجية تعليمية تضمن نقل المعرفة بوضوح وبناء الكفايات بالتدريج، من التمذجة إلى الممارسة المستقلة.
  • التخصص في التدريس وتأهيل الفصول: تحسين بيئة التعلم وتجهيز الحجرات بالوسائل الرقمية المساعدة لرفع جاذبية التعلم.

وأشارت الوزارة إلى أن قياس الأثر الفعلي لمؤسسات الريادة على التصنيفات الدولية مثل PISA يتطلب منطقياً بلوغ التلاميذ الذين استفادوا فعلياً من هذا الطراز البيداغوجي الجديد إلى سن الـ15 سنة (في الدورات اللاحقة مثل 2029)، حيث يخضع النموذج حالياً لعمليات تحقق وتقييم مستقلة أظهرت قفزات ملحوظة في التعلمات بالسلك الابتدائي.

3. دور التفتيش التربوي في المراقبة والتأطير

في صلب هذه الرؤية الإصلاحية، يبرز دور هيئة التفتيش التربوي بالمغرب كفاعل أساسي في ضمان جودة الممارسات الصفية والتأكد من تطبيق المقاربات الجديدة، وتوجيه الأساتذة نحو تنمية مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات لدى المتعلمين بدلاً من التركيز على التدريس النمطي الموجه للامتحانات الإشهادية فقط.

الرهانات المستقبلية: خارطة طريق استباقية لإنقاذ التعلمات الأساس

لا يمكن التعامل مع نتائج PISA بوصفها مدعاة للإحباط التربوي، بل يجب استثمارها كمرآة كاشفة ودقيقة تعين صناع القرار والفاعلين التربويين على تشخيص مواطن الخلل دون مواربة. وللنهوض بمستوى التلميذ المغربي وتحسين تموقع البلاد دولياً، تتطلب المرحلة القادمة تفعيل حزمة من التدابير الشاملة:

1. التحول من شحن المعارف إلى بناء الكفايات الحياتية

تستوجب التطورات مراجعة جذرية للهندسة البيداغوجية لمناهج السلكين الإعدادي والتأهيلي، بحيث تتجاوز كثافة المحتويات المعرفية إلى التركيز على الكفايات الحياتية الوظيفية، عبر تدريب التلاميذ على قراءة وتحليل الرسوم البيانية، واستيعاب المقالات العلمية، والتفكير المنطقي الاستنباطي.

2. إرساء آليات تقويم تشخيصي وتكويني مستمرة

إن نجاح مقاربة المعالجة البيداغوجية مشروط بمأسسة التقويم التشخيصي في مطلع ومنتصف كل موسم دراسي، وعدم ترك التعثرات تتراكم حتى تتحول إلى انقطاع دراسي مبكر أو ضعف دائم في التحصيل. وهنا يتعين تمكين الأستاذ من أدوات رصد بيداغوجية مرنة ومبسطة.

3. الاستثمار الاستراتيجي في تكوين الأطر التربوية

يظل الأستاذ حجر الزاوية في أي رهان إصلاحي. وتقتضي المرحلة تكويناً مستمراً وعالي الجودة، يربط الترقية المهنية بأثر الممارسة الصفية على مستوى التلاميذ، مع تعزيز جاذبية مهن التربية لاستقطاب الكفاءات الجامعية العليا وتوفير بيئة عمل تحفيزية مستقرة تدعم الابتكار التربوي.

4. العناية بالبيئة المدرسية ومحاربة الغياب

إن تأمين الزمن المدرسي والحفاظ على الاستقرار داخل المؤسسات التعليمية يعد شرطاً لازماً لنجاح التعلمات. يتطلب الأمر وضع خطط تشاركية مع الأسر للحد من ظاهرة التغيب المدرسي، وتعزيز الأنشطة الموازية والرياضية والثقافية لجعل المدرسة العمومية فضاءً حيوياً جاذباً للمتعلم.

إن نتائج الاختبار الدولي PISA ليست قدراً محتوماً على المدرسة المغربية، بل هي نداء صريح يدعو إلى تسريع وتيرة التحول البيداغوجي، وتوحيد جهود كافة المتدخلين من أساتذة، وأطر التفتيش والتوجيه، وأولياء الأمور، ومسؤولي الوزارة. إن الرهان الحقيقي لا يتمثل في تحسين رقم الترتيب بحد ذاته، بل في تمكين كل تلميذ مغربي من حقه الدستوري في تعليم ذي جودة، يزوده بكفايات القرن الحادي والعشرين، ويجعله قادراً على مواكبة العصر وبناء مستقبل واعد لوطنه.

أضف تعليقك
‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم