الجامعة العمومية بالمغرب تحت الهجوم: نحو تفكيك مجانية التعليم وضرب الحريات النقابية الطلابية



بقلم: عبد الله غميمط، الكاتب الوطني لنقابة FNE

تنهي الحكومة الحالية ولايتها على وقع هجوم متواصل على ما تبقى من مكتسبات الجامعة العمومية المغربية، في سياق سياسي واقتصادي يتسم بتصاعد السياسات النيوليبرالية، وتراجع الدولة عن أدوارها الاجتماعية، وتحويل القطاعات العمومية، وفي مقدمتها التعليم، إلى مجالات متزايدة للاستثمار والربح.

فبدل تعزيز الجامعة العمومية وتوفير شروط استقلاليتها العلمية والديمقراطية، تتجه سياسات النظام  نحو تحميل الطلبة والأسر كلفة الأزمة، وتوسيع منطق الأداء، وتضييق هامش الحريات النقابية والديمقراطية داخل الجامعة.

وفي هذا السياق، يشكل فرض رسوم التسجيل على الطلبة الموظفين والأجراء والمستخدمين، بمبالغ تصل إلى 5000 درهم بالنسبة لسلك الإجازة، و15000 درهم بالنسبة لسلك الماستر، و20000 درهم بالنسبة لسلك الدكتوراه، مؤشرا خطيرا على الاتجاه نحو التخلي التدريجي عن مبدأ مجانية التعليم العمومي.

ولا ينبغي التعامل مع هذه الرسوم باعتبارها مجرد إجراء مالي أو تنظيمي؛ فهي تعكس توجها سياسيا واضحا يرمي إلى نقل جزء من كلفة التعليم من الدولة إلى الطلبة وأسرهم، وفتح الطريق أمام تعميم منطق الأداء على باقي فئات الطلبة مستقبلا.

من الحق في التعليم إلى سلعة التعليم

ففي ظل السياسات النيوليبرالية، لا يجري التعامل مع التعليم باعتباره حقا اجتماعيا بل " استثمارا فرديا "، ويطلب من الطالب أن يؤدي مقابل الحصول على خدمة تعليمية، بدل أن تتحمل الدولة مسؤوليتها في تمويل الجامعة باعتبارها مؤسسة عمومية تخدم المجتمع.

وهكذا يجري الانتقال تدريجيا من مفهوم:

"التعليم حق تكفله الدولة " إلى مفهوم:

"التعليم خدمة يؤدي ثمنها المستفيد".

وهذا التحول ليس محايدا طبقيا. فالرسوم التي قد تبدو محدودة بالنسبة للفئات الميسورة يمكن أن تتحول إلى حاجز طبقي حقيقي أمام أبناء وبنات العمال والأجراء والموظفين والفلاحين والفئات الشعبية.

إن تسليع التعليم يعني، في نهاية المطاف، تكريس التفاوت الاجتماعي في الولوج إلى المعرفة وإعادة إنتاج الامتيازات الطبقية داخل الجامعة.

ضرب الحريات النقابية وجه آخر للهجوم

وفي موازاة الهجوم الاقتصادي والاجتماعي، تتعرض الحريات النقابية والديمقراطية داخل الجامعة لضغوط متزايدة.

وما وقع بموقع القنيطرة، من طرد أكثر من 22 طالبا وطالبة وحرمانهم من متابعة الدراسة، يمثل، في حال ارتباط هذه الإجراءات بممارستهم لأنشطتهم النقابية والاحتجاجية، سابقة خطيرة ينبغي التصدي لها بكل وضوح.

فالجامعة ليست فضاء لتلقي الدروس فقط، وإنما هي أيضا فضاء للبحث العلمي والتفكير النقدي والنقاش والحوار والتنظيم والدفاع عن الحقوق.

ومن ثم، فإن ضرب الحركة الطلابية وقمع التنظيم النقابي داخل الجامعة يخدم نفس المنطق الذي يقف وراء تسليع التعليم: جامعة بلا مقاومة، بلا تنظيم، وبلا صوت نقدي قادر على مساءلة السياسات العمومية.

إن المطلوب، وفق هذا المنطق، هو طالب مستهلك، يدفع الرسوم ويقبل شروط المؤسسة، وليس طالبا  يمتلك الحق في التنظيم والاحتجاج والمساهمة في تقرير مستقبل الجامعة.

القانون والسياسات العمومية في خدمة أي تعليم؟

إن تمرير القوانين المنظمة للمنظومة التعليمية، ومنها القانون الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، والقانون 59.21 المتعلق بالتعليم المدرسي، وقانون التعليم الجامعي 24-59 يجب أن يقرأ في إطار التحولات العامة التي تعرفها السياسات العمومية بالمغرب، وليس باعتبارها نصوصا تقنية منفصلة عن الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للدولة.

فالسؤال الحقيقي ليس فقط: ما الذي تقوله القوانين؟

بل أيضا:; من تخدم هذه السياسات؟ ومن يتحمل كلفتها؟ ومن يستفيد من نتائجها؟

وهنا تكشف القراءة الطبقية أن تحميل الأسر والطلبة المزيد من تكاليف التعليم، مقابل استمرار التراجع النسبي للاستثمار العمومي في الخدمات الاجتماعية، يصب في اتجاه إعادة توزيع الأعباء الاجتماعية لمصلحة الفئات المالكة والقادرة على الأداء.

الدفاع عن الجامعة العمومية معركة طبقية وديمقراطية

إن الدفاع عن مجانية التعليم لا يعني الدفاع عن امتياز لفئة محددة من الطلبة، وإنما يعني الدفاع عن حق اجتماعي جماعي لعموم بنات وأبناء شعبنا .

كما أن الدفاع عن الطلبة الذين تعرضوا للطرد أو العقوبات بسبب نضالاتهم ليس مجرد قضية طلابية، بل هو دفاع عن الحريات الديمقراطية وعن الحق في التنظيم والتعبير والاحتجاج.

ولهذا فإن مواجهة هذا الهجوم تقتضي توحيد نضالات:

الحركة الطلابية؛

النقابات التعليمية؛

النقابات العمالية؛

النقابة الوطنية للتعليم العالي 

القوى الديمقراطية والتقدمية؛

فالمعركة النضالية الحقيقية حول الجامعة أصبحت واجبا سياسيا ونقابيا ، ومنطلقها هو إسقاط قرار فرض رسوم التسجيل ،والتشبت بالجامعة العمومية .

هل نريد جامعة عمومية مجانية، ديمقراطية، تقدمية، تنتج المعرفة وتخدم المجتمع؟

أم جامعة تتحول تدريجيا إلى مؤسسة تخضع لمنطق السوق، ويصبح الولوج إليها مرتبطا بالقدرة على الأداء؟

لا لتسليع التعليم... لا لقمع الطلبة

إن الرد على هذه السياسات يجب ألا يقتصر على المطالبة بتعديل بعض الإجراءات، بل ينبغي أن يتجه نحو بناء مقاومة اجتماعية واسعة ضد تفكيك الخدمات العمومية وتسليع التعليم.

إن الجامعة العمومية ليست مقاولة، والطالب ليس زبونا  والتعليم ليس سلعة.

والدولة مطالبة بتحمل مسؤوليتها الكاملة في تمويل التعليم من الأولي إلى العالي  والبحث العلمي، عبر سياسة  جبائية وطنية عادلة تستهدف الثروة والريع والأرباح الكبرى، بدل تحميل الطلبة والفئات الشعبية كلفة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية السائدة.

إن المعركة اليوم هي معركة تتعلق بمستقبل الجامعة، وعلى الحق في المعرفة، وعلى الحريات الديمقراطية، وعلى حق أبناء وبنات الشعب في تعليم عمومي مجاني وجيد.

إن ما ينتزع اليوم من الجامعة العمومية لن يستعاد غدا بالصمت والتكيف، وإنما بالنضال الوحدوي  الحازم والكفاحي والتنظيم.

لا لتسليع التعليم!

لا لفرض الرسوم على الطلبة!

لا لقمع الحركة الطلابية والحريات النقابية!

لا لطرد الطلبة بسبب نضالاتهم!نعم لجامعة عمومية مجانية، ديمقراطية، شعبية وتقدمية!

الدفاع عن الجامعة العمومية هو دفاع عن حق أبناء الشعب في المعرفة، وعن التعليم باعتباره حقا اجتماعيا، وعن مستقبل المجتمع في مواجهة منطق السوق والربح.

أضف تعليقك
‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم