يشهد المشهد الجامعي في المغرب نقاشاً محتدماً وصراعاً في التأويلات بين الإدارات الجامعية ومختلف الفاعلين المهنيين والاجتماعيين، على خلفية تفعيل وتنظيم واجبات التسجيل المرتبطة بالتكوينات المنجزة في إطار التوقيت الميسر وكذا سلك الدكتوراه. وفي هذا السياق، أصدر منتدى رؤساء الجامعات بلاغاً توضيحياً بتاريخ 07 غشت 2026، حاول من خلاله تأطير هذه القرارات وإضفاء المشروعية القانونية والبيداغوجية عليها، مستنداً إلى مقتضيات القانون التنظيمي والممارسات المتعارف عليها. وفي المقابل، قوبلت هذه المبررات بموجة نقد واضحة وحادة، لا سيما من طرف الفاعلين النقابيين مثل السيد عبد الله غميمط ، الكاتب العام للجامعة الوطنية للتعليم FNE.
قراءة تحليلية في بلاغ الجامعة الوطنية للتعليم (FNE) بشأن فرض رسوم التسجيل بالجامعات العمومية
1. السياق العام وخلفيات الاحتقان
يتفاعل هذا الموقف الميداني والنقابي مع حالة الغليان والاستياء الواسع التي اجتاحت أوساط الطلبة، الموظفين، والأجراء إثر تداول أنباء مؤكدة حول توجه قطاع التعليم العالي نحو فرض رسوم مالية للتسجيل بأسلاك الإجازة، الماستر، والدكتوراه بالجامعات العمومية المغربية. وفي ظل صمت حكومي مطبق وغياب أي توضيح رسمي يحسم الجدل، تعتبر الهيئات النقابية أن مجرد تداول هذا الطرح يهدد مكسب مجانية التعليم العالي ويتقاطع مع المقتضيات الدستورية الضامنة لتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية.
2. الرفض المبدئي والانعكاسات السلبية لرسوم التسجيل
تؤكد الجامعة الوطنية للتعليم (FNE) رفضها القاطع لأي إجراء يستهدف إقرار تسعيرة أو رسوم مالية للولوج والدراسة بالجامعات، معتبرة أن التعليم حق أساسي وليس سلعة تجارية تخضع لمنطق السوق والقدرة الشرائية. ويحذر البيان من التداعيات الخطيرة لهذا التوجه، والتي تلخصها النقابة في النقاط التالية:
التمييز الاجتماعي والإقصاء: تكريس التفرقة وتوسيع دائرة المحرومين بناءً على المعيار المادي والقدرة المالية للأسر.
الضرب في حق استكمال التكوين: حرمان آلاف الطلبة والموظفين والأجراء من مواصلة مسارهم الأكاديمي والبحثي.
تقويض البحث العلمي: إضعاف منظومة البحث الوطني والحد من فرص تطوير الكفاءات الوطنية المؤهلة.
الخصخصة المقنعة: تعميق مسلسل ضرب مجانية التعليم العمومي الذي يُعد أحد أبرز المكاسب التاريخية للشعب المغربي.
3. المطالب الرسمية الموجهة لوزارة التعليم العالي
بناءً على هذه التطورات، وجه المكتب الوطني للتعليم (FNE) مطالب واضحة وعاجلة إلى الوزارة الوسية، تتمثل أساساً في:
الخروج بتوضيح رسمي: إصدار بلاغ عاجل يقطع الشك باليقين بشأن ما يتم تداوله من أخبار حول رسوم التسجيل.
تكريس المجانية: الالتزام الصريح بالحفاظ على مجانية التسجيل والدراسة بمختلف أسلاك التعليم العالي العمومي.
مسؤولية التمويل العمومي: تحمل الميزانية العامة للدولة مسؤولية تمويل ونهوض الجامعة العمومية دون اللجوء إلى سياسة الإقصاء.
البحث عن بدائل تمويلية: توفير الإمكانات المالية والبشرية لتطوير البحث العلمي وتحسين جودة التكوين بعيداً عن جيوب الطلبة والأسر.
وفي ختام مراسلتها الرسمية، شددت النقابة على أن الدفاع عن مجانية التعليم هو دفاع عن المساواة وتكافؤ الفرص، وأن أي مساس بهذا الحق ستكون له عواقب وخيمة على مسار التنمية العلمية والاجتماعية بالبلاد.
و إليكم بيان نقابة FNE اسفله
وفي تطور آخر لافت يُعزز من تعقيدات هذا الملف، دخلت مؤسسة وسيط المملكة على خط تظلمات المواطنين، حيث أحالت مؤخراً تظلماً لأحد الرافضين لهذه الرسوم إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار. هذه الإحالة جاءت في إطار صلاحيات المؤسسة القانونية، حيث وجهت مراسلة رسمية تؤكد دراسة المعطيات وإحالة الملف "لاتخاذ المتعين بشأنه، وفي نطاق ما لديها من صلاحيات".
إن هذا التدخل القانوني يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مدى توافق قرارات مجالس الجامعات مع مبادئ العدل والإنصاف. فالمادة 11 من القانون رقم 14.16 تمنح للمؤسسة صلاحية النظر في التظلمات الناتجة عن قرارات إدارية قد تتسم بالتجاوز في استعمال السلطة أو منافية لمبادئ الإنصاف. وبالعودة إلى التفاصيل، فإن تحديد رسوم تصل إلى 5000 درهم للإجازة، و18000 درهم لسلك "الباشلور"، و15000 درهم للماستر، وصولاً إلى 20000 درهم للدكتوراه سنوياً خلال السنوات الأربع الأولى، يطرح إشكالية حقيقية حول "تكافؤ الفرص". كما أن مجالس الجامعات تمضي رسمياً في اتجاه تزكية هذه الرسوم الموحدة انطلاقاً من موسم 2026-2027، وسط ترقب لاختلاف في تنزيل إعفاء موظفي قطاع التعليم العالي ومن يتقاضون الحد الأدنى للأجر.
انطلق منتدى رؤساء الجامعات في بلاغه الرسمي من صفته كأعلى جهاز لتنسيق عمل الجامعات، مؤكداً أن تنظيمه للتكوينات وتحديد شروط الاستفادة منها يندرج ضمن الاختصاصات المسندة للجامعات وهياكلها بموجب القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار. ودفاعاً عن قراره بإقرار واجبات التسجيل للموظفين والأجراء والمهنيين، اعتبر المنتدى أن هذا الإجراء يتماشى مع الممارسات الفضلى والمعمول بها دولياً في الأنظمة الجامعية عبر العالم.
كما شدد المنتدى على أن التكوين بالتوقيت الميسر يكرس مبدأ التكوين مدى الحياة، ويتيح للموظفين والأجراء الجمع بين التزاماتهم المهنية ومتابعة الدراسة للحصول على شهادات معترف بها، مؤكداً في الوقت ذاته أن هذا النمط الموازي لا يمس بأي حال من الأحوال بمجانية التكوين العادي الموجه للطلبة. وأشار البلاغ إلى أن واجبات الإجازة لم يطرأ عليها أي تغيير، بينما جرى تخفيض واجبات التسجيل في سلك الماستر، فضلاً عن إقرار إعفاء الموظفين والأجراء الذين لا يتجاوز دخلهم الشهري الحد الأدنى للأجور وفق بلاغ 13 دجنبر 2025.
أما فيما يخص سلك الدكتوراه، فقد أوضح منتدى رؤساء الجامعات أن خصوصية هذا السلك، باعتباره قائماً أساساً على البحث العلمي والتأطير، تستلزم تعبئة الأساتذة الباحثين والأطر الإدارية والتقنية، فضلاً عن توفير مختبرات البحث ومرافق الجامعة وتجهيزاتها. ومن هذا المنطلق، روعي في تحديد واجبات التسجيل ما يقتضيه الارتقاء بجودة البحث وتأمين شروط التأطير. وتأسيساً على ذلك، وطبقاً للتشريع الجاري به العمل، فإن 40% من هذه المداخيل تخصص لميزانية التسيير أو الاستثمار، بينما تُستغل نسبة 60% لدعم البحث العلمي وتعويض الأساتذة الباحثين بعد إتمام عمليات التتبع والتأطير والمواكبة ومناقشة الأطروحات المعنية.
في قراءة تحليلية نقدية لمضمون بلاغ منتدى رؤساء الجامعات، فإن الوثيقة لا تقدم إجابات شافية عن الانشغالات الحقيقية للموظفين والأجراء وعموم الرأي العام. وبدل تقديم توجيهات منصفة، يعمد البلاغ إلى رصّ مصطلحات فضفاضة مثل "الاستقلالية"، "الموارد الذاتية"، "التكوين مدى الحياة"، و"الحكامة والتدبير المالي"، في محاولة واضحة لتجميل واقع بسيط ومؤلم مفاده أن التعليم الجامعي العمومي بات يتحول تدريجياً إلى خدمة مكلفة وباهظة مرتبطة حصراً بالقدرة على الأداء المالي.
إن الجوهر الحقيقي للأزمة لا يكمن في السجال اللفظي حول تسمية المبالغ المفروضة؛ وسواء أسميت «واجبات تسجيل» أو «مساهمة» أو «تكاليف تكوين»، فإن النتيجة الميدانية تظل ثابتة ومجحفة: مطالبة الموظف أو الأجير بأداء آلاف ومئات الدراهم بل وعشرات الآلاف لمجرد متابعة دراسته داخل حرم جامعة يفترض أنها عمومية ومجانية. كما أن التذرع بأن التكوين العادي يظل مجانياً يعتبر هروباً إلى الأمام، لكون الموظف مرتبطاً بدوام مهني يمنعه من الحضور في التوقيت العادي، مما يجعل التوقيت الميسر نافذته الواقعية الوحيدة لممارسة حقه الدستوري في التعلم وتطوير المسار.
لا يمكن بحال من الأحوال أن تتحول "استقلالية الجامعات" إلى شيك على بياض لفرض أتاوات مالية كيفما كان حجمها، فاستقلالية المؤسسات مقترنة بالضرورة بالمسؤولية والشفافية والمحاسبة. وهذا يفرض مكاشفة دقيقة للرأي العام حول المعايير المعتمدة في تسعير هذه التكاليف:
كيف تم تحديد هذه المبالغ المرتفعة بدقة؟
ما هي الكلفة الحقيقية لكل طالب مستفيد؟
لماذا تتفاوت الرسوم بشكل صارخ من مسلك إلى آخر ومن جامعة إلى أخرى؟
ما هي أوجه صرف هذه المداخيل بالتفصيل الممل؟
أما بخصوص تبرير تمويل البحث العلمي واقتطاع نسب من مداخيل الدكتوراه لتعويض المتدخلين، فهو يفتح الباب أمام سؤال حقوقي وأكاديمي أعمق: هل انقلبت الأدوار ليصبح تمويل البحث العلمي وتأطير الباحثين مسؤولية مالية للباحث نفسه عوض أن يكون التزاماً أصيلاً للمرفق العمومي الجامعي؟ فالطالب الباحث يتحمل أصلاً أعباء طائلة تشمل التنقل، اقتناء المراجع، إنجاز الأبحاث الميدانية، المشاركة في المؤتمرات والنشر العلمي. فكيف يُطلب منه فوق كل ذلك تمويل المنظومة التي يفترض أن تحتضنه وترعى بحثه؟
إن محاولة التستر خلف الاعتبارات الاجتماعية أو الإقرار بإعفاء الفئات التي لا تتجاوز الحد الأدنى للأجر لا تعالج أصل الداء. فالموظف الذي يتجاوز دخله بقليل عتبة الحد الأدنى للأجر ليس بالضرورة قادراً على توفير مبالغ تصل إلى عشرين ألف درهم سنوياً في ظل تفاقم الأعباء المعيشية، التزامات السكن، القروض، وتكاليف تربية الأبناء وتعليمهم. فالراتب الشهري ليس مؤشراً آلياً على القدرة على تمويل دراسة جامعية مكلفة.
وعليه، فإن البلاغ الرسمي يبقى عاجزاً عن الإجابة عن السؤال المصيري: هل نريد جامعة عمومية ينبني الولوج إليها على أساس الاستحقاق والكفاءة وتكافؤ الفرص، أم جامعة يتحول فيها الحساب البنكي إلى شرط أساسي وغير معلن لمواصلة المسار الأكاديمي؟ إن ما يجري يعكس بوضوح مظاهر "تسليع للتعليم"، حيث تتشكل سوق تعليمية ملتهبة داخل أسوار الجامعة العمومية، وكلما ارتفعت سقف الرسوم تراجعت أعداد المستفيدين وتحول حق التعلم إلى امتياز طبقي لمن يملك القدرة على الدفع.
استناداً إلى هذه الاختلالات، فإن المطلوب اليوم ليس إصدار بلاغات ترقيعية لتبرير الرسوم، بل إطلاق نقاش عمومي حقيقي وشفاف يضع هذه القرارات على محك المشروعية الاجتماعية، وإخضاعها لمبادئ التناسب والعدالة الضريبية والمالية. كما تستدعي الضرورة مراجعة مبالغ الرسوم بشكل جذري، ونشر تفاصيل التكلفة وأوجه الصرف، وصياغة إطار وطني موحد يقطع الطريق أمام تحويل التكوين بالتوقيت الميسر إلى سوق تجارية للشهادات.
الجامعة العمومية ليست مقاولة تجارية، والطالب ليس زبوناً، والمعرفة ليست سلعة تخضع لمنطق العرض والطلب. وإن تكريس مبدأ التكوين مدى الحياة لا يتحقق برفع الشعارات الرنانة، بل بإزالة الحواجز المالية والنفسية أمام المواطنين الراغبين في التعلم والمعرفة.

