تشهد الساحة الجامعية والتربوية بالمغرب تحولات بنيوية متسارعة تضع منظومة التعليم العالي والبحث العلمي أمام مفترق طرق حاسم يمس جوهر وظيفتها الاجتماعية والدستورية. يأتي هذا الحراك في ظل التوجهات الرسمية الرامية إلى مراجعة شروط الولوج إلى أسلاك التكوين الجامعي وإقرار رسوم مالية تصاعدية على مسالك التوقيت الميسر، وتحديداً في أسلاك الإجازة والماستر والدكتوراه الموجهة للموظفين والأجراء والمستخدمين. إن النقاش المثار اليوم داخل المؤسسات الجامعية يتجاوز كونه مجرد تدبير إداري أو مالي لمعالجة إكراهات الميزانيات، بل يمثل في عمقه معركة مجتمعية وحقوقية كبرى حول مبدأ مجانية التعليم العمومي وتكافؤ الفرص في وجه السياسات التي تتجه نحو تسليع المعرفة وتحويل الحق في التعلم مدى الحياة إلى خدمة مؤدى عنها تخضع لمنطق السوق والقدرة على الأداء.
ولمواكبة هذا الحراك الجامعي المتواصل والوقوف على أحدث المستجدات الرسمية والتحليلات الأكاديمية الرصينة، يمكن للباحثين والأطر التربوية زيارة قسم أخبار التعليم بالمغرب وقسم مستجدات الساحة التعليمية عبر منصة تعليمك لمتابعة كل ما يتعلق بالقرارات الوزارية والمواقف النقابية والمحطات النضالية الوطنية.
السياق الحكومي ومبررات وزارة التعليم العالي لتوحيد رسوم الدكتوراه والتوقيت الميسر
انطلقت شرارة هذا النقاش الوطني إثر إعلان وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، السيد عز الدين ميداوي، دعمه للمقترح القاضي باعتماد رسوم موحدة للتسجيل في سلك الدكتوراه بنظام التوقيت الميسر، وتحديدها في سقف 20 ألف درهم سنوياً خلال السنوات الأربع الأولى من مسار البحث، بما يعادل 80 ألف درهم للتكوين الشامل. ويندرج هذا التوجه ضمن خطة لإعادة ضبط عروض التكوين الموجهة للأجراء والموظفين الراغبين في متابعة دراساتهم العليا والتوفيق بين التزاماتهم المهنية ومساراتهم الأكاديمية.
أولاً: الدوافع التدبيرية والأكاديمية من المنظور الرسمي
تستند الوزارة الوصية في تبريراتها لهذا القرار إلى حزمة من الاعتبارات التي تعتبرها أساسية لضمان حكامة البحث العلمي وتطوير المنظومة الجامعية، ومن أبرزها:
- تغطية الأعباء والخدمات اللوجستية: ترى الوزارة أن تنظيم التكوينات في إطار التوقيت الميسر يستوجب تسخير موارد بشرية وإدارية ولوجستية إضافية خارج أوقات العمل الرسمية، بما في ذلك عطل نهاية الأسبوع، وهو ما يتطلب اعتمادات مالية خاصة لتدبير هذه المسالك التكوينية.
- تجويد التأطير والمتابعة العلمية: تنص الرؤية الوزارية على إلزام الأساتذة المشرفين بعقد لقاءات دورية وتتبع دقيق للمشاريع البحثية للطلبة الموظفين، وضبط كوطا الإشراف لكل أستاذ باحث لتفادي التراكم العددي وضمان قيمة علمية حقيقية للأطروحات المنجزة.
- الرفع من تصنيف الجامعات والابتكار: تؤكد الوزارة أن الجامعات مطالبة بجعل الدكتوراه رافعة للابتكار والإنتاج المعرفي المساهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والارتقاء بالمؤسسات الجامعية الوطنية في مؤشرات التصنيف الدولي.
ثانياً: الإطار القانوني والرهان على نصوص القانون 59.24
تعتزم الوزارة تنزيل هذا التوجه استناداً إلى مقتضيات القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، مع إصدار قرارات ومراسيم تنظيمية تحدد معايير وشروط الولوج لكافة الأسلاك ذات التوقيت الميسر. ويبقى الحسم النهائي في تفاصيل التطبيق معلقاً على مداولات مجالس الجامعات المغربية المرتقبة، وهو ما جعل هذا الملف يحظى بمتابعة واسعة ضمن بلاغات ومذكرات وزارة التربية والتعليم العالي.
القراءة النقدية والفكرية: تسليع الجامعة وضرب مبدأ مجانية التعليم
في مقابل الطرح الحكومي، يرى الفاعلون النقابيون والحقوقيون، وعلى رأسهم الأستاذ عبد الله غميمط، الكاتب الوطني للجامعة الوطنية للتعليم (FNE)، أن هذه التوجهات تعكس تحولاً جذرياً وخطيراً في السياسات العمومية، وتندرج ضمن مسار نيوليبرالي يهدف إلى تراجع الدولة عن التزاماتها التمويلية للقطاعات الاجتماعية وتحميل كلفة التعليم للأسر والطلبة والموظفين.
أولاً: أرقام الرسوم ومستويات الأداء في الأسلاك الجامعية
يكشف التحليل المالي لمقترحات الرسوم عن أعباء باهظة تمس مختلف مسارات استكمال الدراسة الجامعية، كما يوضح الجدول التالي:
| السلك الجامعي (توقيت ميسر) | مبلغ الرسم المالي المقترح | الفئات المستهدفة وأهداف التكوين |
|---|---|---|
| سلك الإجازة | 5,000 درهم سنوياً | الموظفون والأجراء الراغبون في استكمال دراستهم الجامعية الأساسية |
| سلك الماستر | 15,000 درهم سنوياً | الأطر والمستخدمون الساعون لتعميق التخصص الأكاديمي والمهني |
| سلك الدكتوراه | 20,000 درهم سنوياً (80 ألف درهم إجمالي) | الباحثون الموظفون لإنجاز أطروحة الدكتوراه في 4 سنوات |
ثانياً: التحول من منطق "الحق الدستوري" إلى "السلعة التجارية"
كما بينت القراءة النقدية للأستاذ غميمط في تحليله المنشور حول مخاطر تفكيك مجانية التعليم العمومي بالجامعة المغربية، فإن هذه الإجراءات تكرس الانتقال من مفهوم "التعليم حق تكفله الدولة" إلى "التعليم خدمة يؤدي المستفيد ثمنها"، واعتباره "استثماراً فردياً". هذا المنطق يخلق حواجز طبقية حقيقية أمام أبناء وبنات الطبقة العاملة وصغار الموظفين، ويحول الجامعة العمومية من فضاء لإنتاج المعرفة والتكافؤ الاجتماعي إلى مؤسسة تخضع لحسابات الربح والانتقاء المالي.
ثانياً: تضييق الحريات النقابية والطلابية داخل الفضاء الجامعي
يترافق الهجوم المالي على مجانية التعليم مع ضغوط تستهدف الحريات النقابية والديمقراطية داخل الحرم الجامعي، ومنها القرارات التأديبية كطرد طلبة بموقع القنيطرة على خلفية أنشطتهم النضالية. إن تكريس نموذج "الطالب المستهلك" الذي يدفع الرسوم دون امتلاك صوت نقدي يفرغ الجامعة من دورها الريادي في التثقيف المجتمعي والدفاع عن قضايا الوطن.
حراك التنسيقية الوطنية: دعوة لوقفة احتجاجية كبرى أمام البرلمان
وثيقة النداء الوطني الصادرة عن التنسيقية الوطنية للموظفين والأجراء المفروض عليهم التوقيت الميسر
رداً على هذه القرارات، تشكلت "التنسيقية الوطنية للموظفين والأجراء المفروض عليهم التوقيت الميسر"، والتي وجهت نداءً وطنياً شاملاً لكافة المركزيات النقابية والمنظمات الديمقراطية (FNE، CDT، UMT، FDT، UNTM، ODT) للنزول إلى الميدان وإسقاط القرارات التراجعية.
أولاً: تفاصيل الموعد النضالي المركزي
حددت التنسيقية تفاصيل المحطة الاحتجاجية الميدانية في الآتي:
- الشكل النضالي: وقفة احتجاجية وطنية حاشدة.
- التاريخ والزمان: يوم الأحد 23 غشت 2026، ابتداءً من الساعة العاشرة صباحاً (10:00).
- المكان: أمام مبنى البرلمان بالعاصمة الرباط.
ثانياً: المطالب الاستعجالية للتنسيقية
حددت التنسيقية مطالبها المرفوعة إلى الجهات الحكومية والتشريعية في:
- الإلغاء التام واللامشروط لكافة الرسوم المالية: التراجع عن فرض أي مقابل مالي على الموظفين والأجراء في الإجازة والماستر والدكتوراه.
- مراجعة المادة 81 من القانون رقم 59.24: إسقاط وتعديل جميع المقتضيات التشريعية التي تشرعن تسليع التعليم العالي.
- صون الحق في التعلم مدى الحياة: تمكين جميع الفئات من تطوير مسارها الأكاديمي والمهني بما يضمن الترقية العلمية والعدالة الاجتماعية.
- توحيد الصف النقابي والمدني: بناء جبهة نقابية موحدة تضم النقابة الوطنية للتعليم العالي والجامعات التعليمية والعمالية للدفاع عن الجامعة العمومية.
التحركات الحقوقية والمؤسساتية: مواقف الهيئات الحقوقية وتظلم وسيط المملكة
تعززت هذه الدينامية الميدانية بمواقف حقوقية حازمة وترافع مؤسساتي يهدف إلى صيانة الحقوق الدستورية لعموم المواطنين:
أولاً: استنكار الجمعية المغربية للدفاع عن الحريات العامة وحقوق الإنسان
أصدرت الجمعية المغربية للدفاع عن الحريات العامة وحقوق الإنسان بياناً شديد اللهجة حذرت فيه من أن فرض رسوم التسجيل يمثل تراجعاً خطيراً عن مبدأ مجانية التعليم، ويستهدف جيوب الفئات الهشة والمتوسطة. وأكدت أن هذا التوجه يعمق الفوارق المجالية والطبقية ويزيد من الهدر الجامعي، مطالبة الحكومة بزيادة التمويل العمومي المخصص للبحث العلمي والوفاء بالتزاماتها الدستورية والدولية.
ثانياً: تظلم جمعية "نوفوم الوطنية" الموجه إلى وسيط المملكة
في خطوة دستورية وترافعية، وجهت جمعية "نوفوم الوطنية" برئاسة الأستاذ أيمن بنعزوز تظلماً رسمياً إلى مؤسسة "وسيط المملكة" بتاريخ 7 غشت 2026، ملتمسة تدخل المؤسسة لدى الحكومة لإعادة النظر في هذه الرسوم والتحقق من سندها القانوني ومعايير إقرارها، بما يضمن تكافؤ الفرص وحماية الحق في التعليم الجامعي لكافة الموظفين والأجراء دون معوقات مالية.
الانعكاسات التربوية والإدارية: التوجيه، التفتيش، وتطوير كفاءات الموظفين
إن حرمان الموظفين من متابعة دراساتهم العليا أو تقييدها بأداء رسوم سنوية مرتفعة ينعكس سلباً على جودة المرفق العمومي والمنظومة التربوية التي تشرف عليها أطر التوجيه المدرسي والمهني وهيئات التفتيش التربوي والتدريس بمختلف الأسلاك التعليمية.
1. تجميد مسارات الترقية والبحث العلمي للموظفين
إن فتح المجال أمام الموظفين في مختلف القطاعات وخاصة الراغبين في ولوج وتطوير مسارات وظائف التعليم بالمغرب للارتقاء العلمي وإعداد أطروحات الدكتوراه يمد الإدارة العمومية والمدارس بكفاءات نوعية قادرة على التطوير والتجديد التربوي والإداري. أما وضع عراقيل مالية أمامهم فسيؤدي إلى إحباط الكفاءات وتراجع الإنتاج العلمي التطبيقي.
2. ضرورة العدالة الجبائية كمدخل لتمويل الجامعة
تؤكد مختلف الهيئات والخبراء أن معالجة عجز تمويل الجامعات لا تكون عبر الاقتطاع من جيوب الطلبة والأجراء، بل عبر إقرار سياسة جبائية عادلة وتوجيه الاستثمار العمومي نحو قطاع التعليم العالي والبحث والابتكار باعتباره ركيزة السيادة المعرفية والتنمية المستدامة.
خاتمة: نحو جبهة وطنية للدفاع عن مجانية وديمقراطية الجامعة المغربية
إن قضية رسوم التوقيت الميسر وسلك الدكتوراه ليست مجرد مطلب فئوي، بل هي قضية رأي عام ومسؤولية جماعية تهم كافة شرائح المجتمع المغربي. إن الوقفة الوطنية المقررة يوم 23 غشت 2026 أمام البرلمان بالرباط، والمبادرات الترافعية لدى وسيط المملكة والهيئات الحقوقية، تشكل خطوة محورية لإعادة تصويب مسار السياسات التعليمية نحو تثبيت مجانية التعليم وتكافؤ الفرص، وبناء جامعة عمومية ديمقراطية ومفتوحة أمام كل الطاقات الوطنية لإنتاج المعرفة وخدمة التنمية الشاملة.