قراءة في مشروع قانون المالية بالمغرب 2027 في قطاع التعليم والبحث العلمي

 


تتبوأ منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي مكانة صدارية واستراتيجية بالغة الأهمية ضمن الأوراش الكبرى التي تقودها المملكة المغربية تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده. وتجسد هذه المنظومة الدعامة الأساسية لبناء الدولة الاجتماعية وتوطيد مقومات الاقتصاد الوطني التنافسي القائم على المعرفة والكفاءة والابتكار. وفي هذا السياق المتميز، يشكل مشروع قانون المالية الوثيقة التوجيهية والموازناتية الناظمة لسياسات الدولة، حيث يترجم ميدانياً الالتزامات المرتبطة بتطوير البنيات التحتية المدرسية والجامعية، وتجويد التعلمات الأساسية، وتأهيل الرأسمال البشري الوطني.

يهدف هذا المقال الموحد والمفصل إلى تقديم قراءة استراتيجية متكاملة ومحينة تستعرض كافة المعطيات، والأفكار، والأرقام، والميزانيات، والجدولة الزمنية الرسمية المرتبطة بقطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة والتعليم العالي والبحث العلمي كما وردت في الوثائق المؤطرة لمشروع الميزانية.

1. التوجيهات الملكية الكبرى والإطار الاستراتيجي الموجه للإصلاح التربوي

تنطلق مختلف البرامج الحكومية في قطاع التعليم من الثوابت والتوجيهات الملكية الواردة في الخطب السامية، والتي تمثل خارطة طريق واضحة المعالم لترسيخ الجودة وتكافؤ الفرص. ويرتكز التصور الاستراتيجي الجديد على محاور جوهرية تكمل مسار الإصلاحات الهيكلية:

  • تثبيت مكاسب المدرسة العمومية: العمل الحثيث على تعزيز المكتسبات التي حققتها المنظومة التربوية خلال السنوات الأخيرة، لاسيما على مستوى توسيع العرض المدرسي بمختلف الأسلاك التعليمية الأساسية والثانوية.

  • تحسين جودة التعلمات: إيلاء عناية فائقة للتعلمات الأساسية في السلك الابتدائي، باعتباره المدخل الرئيسي لتقليص نسب التعثر الدراسي ومحاربة الهدر المدرسي والتسرب في مهدِهِ.

  • ربط التكوين بمتطلبات التنمية: إرساء جسور متينة وفعالة بين مخرجات منظومة التربية والتكوين وبين حاجيات الاقتصاد الوطني وسوق الشغل، عبر تطوير مسالك التوجيه وتجويد التكوينات المهنية والجامعية.

2. الجدول الزمني لمناقشة ميزانية التعليم والبحث العلمي بالبرلمان

تؤكد الجداول الختامية الملحقة بوثيقة مشروع قانون المالية على برمجة الاجتماعات الرسمية للجان الدائمة بمجلس النواب لدراسة ميزانيات القطاعات الوزارية بدقة متناهية. وقد تم تحديد التاريخ الرسمي لدراسة ومناقشة ميزانية قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، وكذا قطاع التعليم العالي والبحث العلمي، يوم الأربعاء 09 شتنبر 2026 (09/09/2026)، وهو ما يعكس محورية الأجندة التشريعية المخصصة لتنصيب الاعتمادات المالية وتدقيق البرامج المستهدفة ضمن الأجندة البرلمانية.

3. تعميم التعليم الأولي وتوسيع شبكة مؤسسات الريادة

يُعد التعليم الأولي حجر الأساس في هندسة الإصلاح التربوي الحالي، حيث يولي مشروع الميزانية أهمية بالغة لتوسيع هذا العرض وتجويد خدماته وفق معايير دقيقة تروم تكافؤ الفرص:

  • توسيع أجيال الأقسام: مواصلة إحداث وتجهيز حجرات التعليم الأولي بالمناطق القروية وشبه القروية والمناطق المعوزة، لضمان استفادة أكبر عدد ممكن من الأطفال في سن الصغار من حقهم في التربية المسبقة.

  • الشراكة الفاعلة: الاعتماد على الشراكات الاستراتيجية مع الفاعلين المؤسساتيين وجمعيات المجتمع المدني الجادة لتسيير وتدبير حجرات التعليم الأولي، مع إخضاع مربيات ومربي التعليم الأولي لتكوينات أساسية ومستمرة ترفع من كفاءتهم البيداغوجية.

  • مؤسسات الريادة بالابتدائي: يواصل البرنامج استهداف توسيع شبكة "مؤسسات الريادة" في التعليم الابتدائي، مع تحقيق مستهدفات رقمية واضحة للرفع من نسب التحكم في التعلمات الأساسية لدى التلامذة لبلوغ نسبة 98% من طموح إرساء الجودة والتحكم في التعلمات الأساسية أفق الموسم الدراسي 2025-2026 واستمرار الوتيرة التصاعدية.

  • مؤسسات الريادة بالإعدادي: توسيع التجربة لتشمل السلك الثانوي الإعدادي عبر إرساء نموذج بيداغوجي وتسييري جديد يضمن مواكبة التلميذ طيلة مساره الدراسي وتوفير الدعم التربوي الفردي.

4. الدعم الاجتماعي المدرسي ومحاربة الهدر المدرسي

لا يمكن الحديث عن تجويد التعلمات دون تأمين الشروط الاجتماعية المواتية للمتعلمين، وهنا تبرز أهمية برامج الدعم الاجتماعي التي رصدت لها اعتمادات مالية ضخمة:

  • المبادرة الملكية "محفظتي": تأمين توزيع الملايين من المحافظ والمقررات الدراسية على مستحقيها في الأقسام الابتدائية والإعدادية مع انطلاق الموسم الدراسي للتخفيف عن الأسر المغربية المعوزة.

  • المطاعم المدرسية والداخليات: توسيع الاستفادة من خدمات الإطعام المدرسي بالدوائر القروية والجبلية، وتأهيل وتجهيز الداخليات لتوفير بيئة ملائمة للاستقبال والمتابعة الدراسية للتلاميذ المتحدرين من المناطق النائية.

  • النقل المدرسي: دعم الأسطول المخصص لنقل التلاميذ نحو المؤسسات التعليمية، بتنسيق وثيق بين السلطات المحلية والمجالس المنتخبة والقطاعات الوزارية المعنية لمحاربة الانقطاع عن الدراسة.

5. مستجدات قطاع التعليم العالي والبحث العلمي وبنيات الاستقبال

على صعيد قطاع التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، يواكب مشروع الميزانية التطور الديمغرافي للطلبة عبر رصد الإمكانيات الضرورية لتعزيز الخريطة الجامعية:

  • تنزيل الإصلاح البيداغوجي الجديد: مواصلة تفعيل القانون المنظم للتعليم العالي، وتنزيل المسالك الأكاديمية والمهنية الجديدة المتمحورة حول تنمية الكفايات الذاتية، اللغات، والمهارات الرقمية للطلبة بما يتماشى مع متطلبات سوق الشغل.

  • مؤسسات جامعية جديدة: إحداث وتوسيع مؤسسات جامعية جديدة بكليات الطب والصيدلة وطب الأسنان، فضلاً عن تقسيْم وتعديل هيكلة الكليات متعددة التخصصات لتحويلها إلى مؤسسات متخصصة أكثر انسجاماً مع المتطلبات التنموية الجهوية.

  • الميزانيات المخصصة للبحث العلمي: رصد اعتمادات مالية لدعم مشاريع البحث العلمي الاستراتيجي ذات الصلة بالأولويات الوطنية الكبرى (كالماء، الطاقات المتجددة، الأمن الغذائي، والابتكار التكنولوجي).

تؤكد الوثائق الرسمية للميزانية على أهمية البعد التدبيري والمؤسساتي لضمان نجاعة المشاريع الإصلاحية وتحقيق أهدافها الكبرى:

  • التكوين المستمر للأطر: توفير الموارد اللازمة لتنزيل برامج التكوين المستمر لفائدة الأساتذة والأطر الإدارية والتربوية، لرفع الجاهزية المهنية لمواكبة المستجدات البيداغوجية والتقنية.

  • الجهوية المتقدمة في التدبير: ترسيخ آليات اللامركزية واللاتركيز على مستوى الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين والمديريات الإقليمية، لضمان سرعة اتخاذ القرار ونجاعة التدخل الميداني.

  • التفتيش التربوي والتوجيه المدرسي: تفعيل أدوار ومهام التفتيش التربوي والتوجيه المدرسي والمهني كآليات محورية لمواكبة المتعلمين وتقييم أداء المؤسسات التعليمية بصفة منتظمة.

  • 6- المؤشرات الرقمية جد محفزة 

  • أ. التعليم الأولي

      • مواصلة تعميمه واستكمال الأوراش الإصلاحية خلال سنة 2027.

      • بلوغ نسبة تمدرس بحوالي 80% خلال الموسم الدراسي 2025-2026.

      • تحقيق الهدف الوطني للتعميم في أفق سنة 2028.

    ب. مشروع مؤسسات الريادة

    • التعليم الابتدائي:

      • الوصول إلى 6.562 مؤسسة خلال الموسم الدراسي 2026-2027، مغطية 80% من المدارس العمومية.

      • بلوغ التعميم الكامل خلال الموسم 2027-2028.

    • الثانويات الإعدادية (إعداديات الريادة):

      • ارتفاع عددها إلى 1.363 مؤسسة، ما يمثل 56% من الثانويات الإعدادية العمومية.

      • التعميم الكامل للمشروع بحلول موسم 2028-2029.

    ج. البرامج الاجتماعية والدعم

    • الدعم المالي المباشر: يستهدف أزيد من 3,2 مليون تلميذة وتلميذ في إطار تفعيل الصيغة الجديدة للمبادرة الملكية "مليون محفظة".

    • مدارس الفرصة الثانية والمسارات البديلة:

      • رفع عدد المستفيدين إلى 35 ألف مستفيد خلال الدخول المدرسي 2026-2027.

      • بلوغ 80 ألف مستفيد في أفق سنة 2030.

خاتمة

يُترجم مشروع قانون المالية التزام الدولة الراسخ بالنهوض بقطاع التربية والتكوين والتعليم العالي باعتباره القاطرة الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية. إن تكامل الأوراش المرتبطة بتعميم التعليم الأولي، وتطوير مؤسسات الريادة، وتعزيز الدعم الاجتماعي، وإصلاح التعليم العالي والبحث العلمي، ينذر بمرحلة جديدة ترتقي بالمدرسة العمومية المغربية نحو أفق واعد من الجودة والتميز المؤسساتي والتربوية المأمول.

أضف تعليقك
‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم