أعاد صدور تقرير مؤشر الازدهار العالمي لعام 2026 (Legatum Prosperity Index) فتح نقاش استراتيجي حول مدى انسجام التحولات الماكرو-اقتصادية للمملكة مع مكتسبات الرأسمال البشري وجودة الحياة. فقد كشفت وثيقة المعهد البريطاني عن مفارقة تنموية لافتة: ففي حين رسخ المغرب حضوره ضمن أفضل 60 اقتصاداً عالمياً في عمود الحرية الاقتصادية باحتلاله المرتبة 54 دولياً بفضل البيئة التشريعية والمالية المحفزة للقطاعات الإنتاجية الصاعدة، سجل قطاع التعليم تراجعاً كبيراً باحتلاله الرتبة 122 عالمياً من بين 161 دولة شملها التقييم. ويطرح هذا التفاوت بفارق 46 مرتبة بين التموقع الكلي والأداء التعليمي تحديات حقيقية أمام السياسات العمومية، لاسيما في ما يتعلق بتحويل الجاذبية الاستثمارية إلى طفرة ملموسة في تنمية المهارات وتحسين المؤشرات الاجتماعية.
منهجية مؤشر ليغاتوم 2026 وقراءة في تموقع المغرب الدولي والإقليمي
اعتمد تقرير عام 2026 على قاعدة بيانات تضم أكثر من 615 ألف نقطة معطيات مستقاة من 35 مصدراً دولياً مستقلاً، وتغطي 98% من سكان العالم عبر ما يزيد عن 130 مؤشراً فرعياً. وتتوزع هذه المعايير على ثلاثة محاور رئيسية (التنمية، الحرية، والمجتمع)، متفرعة إلى عشرة أعمدة هيكلية تقيس أداء الدول من منظور شامل لا يكتفي بأرقام النمو الاقتصادي الصماء، بل يربطها بالتماسك الأسري، ونزاهة الحكامة، وجودة الخدمات الصحية والتربوية.
وفي التصنيف الإجمالي، حل المغرب في المرتبة 76 عالمياً برصيد 63.74 نقطة، ليأتي رابعاً على المستوى الإفريقي خلف جزر موريشيوس وبوتسوانا وتونس، ومتقدماً على قوى إقليمية كناميبيا وجنوب إفريقيا وغانا والجزائر التي احتلت المرتبة 83 عالمياً. كما أظهرت القراءة المغاربية حلول تونس في المركز 75، وليبيا في المرتبة 115، ومصر في المركز 120، فيما تذيل السودان القائمة إقليمياً بحلوله في المركز 152 عالمياً.
وتزداد أهمية هذه الأرقام بالنظر إلى التعديل المنهجي الصارم الذي اعتمده التقرير عبر خوارزميات المتوسطات التراكمية (Power Means)؛ إذ تحول هذه المنهجية دون التغطية على تعثر القطاعات الاجتماعية الحيوية من خلال الطفرات الاستثمارية أو البنيوية المنفردة، مما يجعل التوازن بين التنمية البشرية والنمو المالي شرطاً أساسياً للارتقاء في الترتيب الدولي.
المفارقة التنموية: ريادة التصنيع الحديث مقابل بطء المردود التربوي
صنف التقرير الدولي المغرب ضمن الاقتصادات التي تشهد دينامية تحول صناعي واعدة، تقودها صناعات تركيب السيارات، وأجزاء الطائرات، والتحول نحو الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، وصناعات الفوسفاط والأسمدة. ومع ذلك، يعكس ترتيب التعليم (الرتبة 122) صعوبة مواءمة هذه القفزة الصناعية مع سرعة تأهيل الكفاءات الوطنية المتخصصة ومخرجات المنظومة التعليمية بأسلاكها المختلفة.
تتقاطع هذه المعطيات مع تقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وخلاصات البنك الدولي واليونسكو، والتي أكدت في تشخيصاتها على وجود فجوة في التحكم في الكفايات اللغوية والرياضياتية، وتباين ملحوظ في مردودية التمدرس بين الحواضر والمجالات القروية وشبه الحضرية، وهو ما يحد من سرعة جني ثمار المخططات التنموية الكبرى.
جدول تحليلي لتوزع مراتب المغرب عبر الأعمدة العشرة لمؤشر الازدهار 2026
| المحور والعمود القطاعي | المرتبة الدولية (من أصل 161) | طبيعة المؤشر والدلالة الميدانية |
|---|---|---|
| سلامة وتماسك الأسرة | 36 | أداء متقدم جداً وركيزة للأمان المجتمعي |
| الحرية الاقتصادية ومناخ الاستثمار | 54 | متقدم (ضمن نادي أفضل 60 عالمياً) |
| نزاهة المجتمع المدني | 56 | إيجابي ومستقر |
| نزاهة وحكامة الدولة | 75 | متوسط ومتوازن مؤسساتياً |
| المنظومة الصحية والوقاية | 80 | متوسط ويتطلب استكمال ورش التغطية الشاملة |
| السلم المدني والأمن العام | 86 | متوسط ومستقر إقليمياً |
| نزاهة وتماسك المجتمعات المحلية | 94 | متراجع ويتطلب تقوية التنمية الترابية |
| مستوى المعيشة والرفاه الأسري | 104 | متأخر ويتأثر بتكاليف المعيشة والتضخم |
| حرية التعبير والرأي المخالف | 108 | متأخر نسبياً |
| التربية والتكوين وتنمية المهارات | 122 | أدنى أداء (نقطة الضعف التنموية الرئيسية) |
مشروع "مؤسسات الريادة" والتحدي الحقيقي لتحقيق الجودة المنشودة
انخرطت المنظومة التعليمية الوطنية في تنزيل التزامات خارطة الطريق 2022-2026 تحت شعار "من أجل مدرسة عمومية ذات جودة للجميع"، والتي تبنت مقاربات ميدانية مستحدثة، وفي مقدمتها تعميم نموذج "مؤسسات الريادة" بالسلكين الابتدائي والإعدادي، القائم على التدريس وفق المستوى المناسب (TaRL) والمقاربة الصريحة، وتأهيل الفضاءات المدرسية وتجهيزها بالوسائل الرقمية المساعدة.
وعلى الرغم من المكتسبات الأولية التي تعكسها بلاغات وزارة التربية الوطنية بخصوص معالجة التعثرات المرحلية وتوسيع شبكة المدارس الحاصلة على شارة الجودة، فإن نتائج مؤشر الازدهار لعام 2026 تؤكد أن رهان الجودة المنشودة يتطلب الانتقال من النجاح في المؤشرات التجريبية المعزولة إلى إحداث تحول نسقي يعم كافة المؤسسات التعليمية دون استثناء، بما يضمن استدامة المكتسبات التعلمية لدى التلميذ عند انتقاله إلى الأسلاك الإعدادية والتأهيلية.
التوزيع الدولي للازدهار: تجارب الصدارة والدروس المستفادة
وثيقة ودليل إحصائي: موقع المغرب في مؤشر التعليم الدولي (Legatum Prosperity Index 2026)
تُظهر البيانات الرسمية الصادرة ضمن مؤشر الازدهار العالمي لعام 2026 (Legatum Prosperity Index)، والذي شمل تصنيف 161 دولة حول العالم، معطيات دقيقة حول الأداء التنموي والمؤسساتي للمملكة المغربية. ورغم تحقيق المغرب مراتب متقدمة في بعض الركائز الاقتصادية والحريات التنافسية، إلا أن ركيزة التعليم (Education) لا تزال تسجل أرقاماً تدعو إلى تسريع وتيرة الإصلاح التربوي الشامل.
جدول مقارن: مؤشرات الأداء والترتيب التفصيلي للتعليم والمحاور الكبرى
| الدولة | الترتيب العام عالمياً | محور التعليم (🎓) | الرعاية الصحية | البيئة الاستثمارية | ظروف العيش |
|---|---|---|---|---|---|
| 🇨🇭 سويسرا (الرائدة عالمياً) | 1 | 2 | 10 | 2 | 7 |
| 🇹🇳 تونس | 75 | 87 | 70 | 88 | 89 |
| 🇲🇦 المغرب | 76 | 122 | 80 | 103 | 60 |
| 🇩🇿 الجزائر | 83 | 111 | 89 | 85 | 60 |
قراءة تحليلية في الأرقام الرسمية
- الرتبة العامة للازدهار: احتل المغرب المرتبة 76 عالمياً من بين 161 دولة شملها التقرير.
- ترتيب قطاع التعليم: صُنّف المغرب في المرتبة 122 عالمياً في ركيزة التعليم (Education)، وهو ما يمثل التحدي الأكبر بين جميع ركائز التنمية البشرية مقارنة بقطاعات أخرى مثل الصحة (المرتبة 80) أو ظروف المعيشة (المرتبة 60).
- المقارنة الإقليمية: يبرز التقرير تأخر المنظومة التعليمية على الصعيد المغاربي في هذا المؤشر الفرعي، حيث جاءت تونس في المرتبة (87) والجزائر في المرتبة (111)، مما يؤكد الحاجة الملحة إلى تسريع تنزيل برامج خارطة الطريق التربوية وتجويد التعلمات الأساس.
تصدرت سويسرا التصنيف العالمي للازدهار الشامل لعام 2026 متبوعة بالنرويج وإيرلندا والدنمارك وفنلندا، تليها أيسلندا والسويد وألمانيا وأستراليا وهولندا. وتبرز هذه التجارب العالمية أن القاسم المشترك بين الدول المتصدرة يتمثل في الاستثمار الكثيف في منظومات التعليم والبحث العلمي، والربط العضوي بين مخرجات التكوين وحاجات الابتكار التكنولوجي والصناعي، في بيئة تسودها الحكامة والشفافية وتكافؤ الفرص.
في المقابل، احتلت الدول التي تعاني من الصراعات المسلحة والهشاشة المؤسساتية أسفل الترتيب، حيث جاءت إريتريا في المركز الأخير (161)، مسبوقة بالنيجر، وتشاد، وإفريقيا الوسطى، وبوروندي، والصومال، وأفغانستان، وجنوب السودان، والكونغو الديمقراطية، والسودان، مما يقدم دليلاً قاطعاً على أن رأس المال البشري الآمن والمتعلم يمثل الحصن الحقيقي لاستقرار الأوطان وازدهارها الاقتصادي.
رافعات استراتيجية لتأهيل الرأسمال البشري ومواكبة متطلبات العصر
إن تقليص الفجوة التنموية بين الطموح الاقتصادي والواقع التربوي يستدعي تفعيل حزمة من المداخل الإجرائية المتكاملة لضمان جودة الأداء الصفي والمؤسساتي:
- ترسيخ التوجيه المبكر والمشروع الشخصي: تعزيز منظومة التوجيه المدرسي بالمغرب لربط ميولات المتعلمين بالمهن الواعدة في قطاعات الطيران، والسيارات، والذكاء الاصطناعي، والطاقات البديلة، وتفادي الاختيارات العشوائية.
- تثمين مهن التدريس والتكوين المستمر: مواكبة أطر التدريس عبر تعزيز جاذبية ومردودية وظائف التعليم بالمغرب وربط الترقية بالتميز البيداغوجي والأثر الفعلي داخل الفصول.
- تطوير أدوار المراقبة والتأطير الميداني: مأسسة تدخلات التفتيش التربوي بالمغرب لتقديم الدعم والمصاحبة المهنية للأستاذات والأساتذة وتقويم مخرجات المدارس الرائدة بشكل موضوعي ومستمر.
- مواجهة الانقطاع الدراسي بالعدالة المجالية: تعزيز شبكات المدارس الجماعاتية وتكثيف خدمات الدعم الاجتماعي والتغذية والنقل المدرسي للحد من ظاهرة الهدر، خصوصاً في الوسط القروي ولدى الفتيات.
- تحديث التكوين المهني والتعليم العالي: ملاءمة التكوينات الجامعية ومراكز التكوين المهني مع متطلبات النسيج المقاولاتي لتسهيل الإدماج السريع للشباب ورفع تنافسية الاقتصاد الوطني.
إن الرسالة التي يبعث بها مؤشر الازدهار العالمي 2026 واضحة لا لبس فيها: إن التحول الصناعي والاقتصادي المتميز للمغرب يظل بحاجة ملحة إلى مدرسة عمومية قوية وعادلة تضمن إنتاج الكفاءات القادرة على حماية هذه المكتسبات، وتحويل الطفرة الاستثمارية إلى رخاء مجتمعي مستدام يعم كافة فئات المجتمع.