في محطة نضالية تاريخية ووحدوية جسدت أعلى معاني التلاحم والدفاع المستميت عن المكتسبات المهنية، خاض مئات المفتشين والمفتشات القادمين من مختلف المدن والمناطق المغربية وقفة احتجاجية مركزية ناجحة بكل المقاييس. وقد تميزت هذه المحطة الميدانية بمشاركة وازنة وثلاثية لثلاث نقابات تعليمية تمثيلية كبرى، ويتعلق الأمر بكل من الجامعة الوطنية للتعليم (FNE)، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل (CDT)، والاتحاد المغربي للشغل (UMT).
لقد جاءت هذه الخطوة الوحدوية الواسعة في سياق وطني دقيق احتجاجاً على واقع التماطل والتسويف، وتأكيداً على وحدة الصف لإسماع صوت الشغيلة التعليمية، والدفاع بشتى السبل عن مصلحة الإطار والاعتبار المهني والمادي لأطر التفتيش والتوجيه والتخطيط، و يمكن تلخيص كلمة السيد غميمط القوية، أسفله في بقية المقال، و في آخر المقال تجدون رابط الفيديو.
الجذور التاريخية لمعركة تغيير الإطار والإدماج: مسار 24 سنة من النضال
أكد الكاتب الوطني في مستهل تدخله أن معركة تغيير الإطار التي حسم فيها جزء هام من المطالب المتعلقة بالإدماج ليست وليدة اللحظة ولا هي ولدت البارحة، بل تعود جذورها الأولى إلى سنة 2004. لقد مر هذا الملف عبر محطات شاقة خاض غمارها العديد من المناضلين والمناضلات في الصفوف الأمامية، منهم من لم يكتب له الاستفادة من نتائج هذا التغيير بسبب إحالته على التقاعد، ومنهم من وافته المنية، ومنهم من اضطر لتغيير الإطار إلى أطر أخرى. بمعنى أن المعركة امتدت جغرافياً وتاريخياً من سنة 2004 حتى سنة 2023، أي على مدار أربعة وعشرين عاماً كاملة استطاعت فيها الشغيلة الواعية فرض هذا الحق تشريعياً وهيكلياً على مستوى النظام الأساسي.
وفي معرض حديثه عن العراقيل التي واجهت الملف، أشار غميمط إلى أن المحطات الاحتجاجية السابقة كانت دائماً ترتفع فيها الأصوات للتأكيد على وجود لوبي داخل الإدارة، للأسف من أبناء جلدتنا، وقف بكل قواه ضد تغيير الإطار لمفتشي ومفتشات التوجيه والتخطيط. وهنا شدد على ضرورة الحفاظ على الذاكرة الحية والحاضرة دائماً، مستحضراً أن من حقق هذا المطلب أولاً هي الأطر المنتسبة لمركز التوجيه والتخطيط، والمؤطرة نقابياً عبر النقابات التعليمية بتفاوت في درجات التعاطي، إضافة إلى الانخراط المستميت لفئات واسعة من المناضلين الذين ظلوا متمسكين بالشمعة حتى نهاية المطاف.
دور الحراك التعليمي المبارك في قلب الموازين وفرض الحقوق
عند الحديث عن نقطة التحول الحاسمة في هذا الملف، أبرز الكاتب الوطني الدور الريادي والتاريخي للحراك التعليمي المبارك، الذي اعتبره النقطة الحاسمة التي غيرت مجرى العلاقة برمتها مع الوزارة وملفات الشغيلة التعليمية. لقد جاءت القوة الجماهيرية التعليمية لتنتفض على نظام المآسي وتقلب الطاولة على وزارة التربية الوطنية، لتفرض حوارات جادة أفضت في النهاية إلى الإقرار القانوني للحق في تغيير الإطار رغم أنف كل المعارضين والمعارضات.
وأوضح المتدخل أن المداخل الأساسية لمركز التوجيه والتخطيط هي نفسها مداخل مركز المفتشين، ومع ذلك كان البعض يضع يديه في أذنيه رافضاً استفادتهم من هذا الحق، مستخدماً كل أشكال القوة والعلاقات والبيروقراطية الإدارية لعرقلة أي انفراجة. إلا أن هبة الجماهير التعليمية كسرت هذه القيود وأسست لمرحلة جديدة قوامها القاعدة الشهيرة: من لا تنظيم له لا قوة له، ومن لا قوة له لا حقوق له، ومن لا حقوق له لا كرامة له، ومن لا كرامة له لا حياة له. ورغم أن أطر التوجيه والتخطيط لم يكونوا حاضرين بالشكل المطلوب بكثافة في بعض محطات الحراك الأولى، إلا أن النقابات التعليمية تبنت الملف ودافعته عنه بقوة حتى تكلل بالنجاح عند صدور النظام الأساسي الجديد.
التحديات المواكبة لتنزيل النظام الأساسي ومعاناة مديرية الموارد البشرية
تطرق الكاتب الوطني إلى مرحلة ما بعد صدور النظام الأساسي، حيث واجهت الإطارات محاولات ترغيب وتشكيك من طرف بعض الجهات للالتفاف على المكتسبات. غير أن تجند القواعد والمناضلين والمناضلات من أطر التوجيه والتخطيط أحبط تلك المحاولات، وبدأت معركة الإجرار والتنزيل الفعلي للمادة 76 بمختلف تشعباتها، وصولاً إلى فرض التكوين والتنفيذ.
وفي هذا السياق، وجّه غميمط انتقادات شديدة اللهجة لمديرية الموارد البشرية بوزارة التربية الوطنية، محملاً إياها المسؤولية الكاملة في سوء تدبير الشق التقني للملف وتعريض استقرار الأطر للأعصاب المتوترة طيلة الأشهر الماضية. وكشف بصريح العبارة عن وجود خلل بنيوي خطير يتمثل في كون المديرية يترأسها موظف شبه غائب، وصفه بـ "المدير المركزي الشبح". وتساءل مستنكراً: كيف يتم تفعيل مسطرة ترك الوظيفة في حق الأستاذ أو الإطار الذي يتغيب 48 ساعة فقط، بينما يتغيب مدير مركزي لأشهر طويلة دون حسيب أو رقيب، متقاضياً أجره من المال العام ودون أن يرد على اتصالات النقابات أو يستقبل ممثلي الشغيلة؟
وأضاف أن هذا الفراغ الإداري المتعمد وغياب المسؤول المباشر للرد على قضايا الموظفين هو السبب الرئيس وراء التأخير غير المبرر في تدبير ملفات الإدماج والترقيات، مشدداً على أن تحميل المسؤولية لرئيس القسم المكلف وحده لا يكفي، بل يجب محاسبة الوزارة التي تغض الطرف عن هذا الوضع الشاذ.
الملفات العالقة والتشبث بالإنصاف في الترقية والتعويضات
لم يفت الكاتب الوطني التنبيه إلى مجموعة من الملفات الفئوية والمهنية التي لا تزال تراوح مكانها دون تسوية نهائية، ومنها:
- ملفات ضحايا الامتحانات والترقيات: وضعية المتضررين من امتحانات الكفاءة المهنية لسنة 2024، والترقيات عبر الاختيار، فضلاً عن المستفيدين من المادة 49 من النظام الأساسي السابق (الزنزانة 10 لسنوات 2024 و2025) والتي لم تؤشر عليها بعد مصالح الخازن الوزاري.
- إشكالية الإدماج القسري وفقدان الأقدمية: رفض الصيغة التي تم بها إدماج بعض الأطر والتي أدت إلى فقدانهم لأقدميتهم في إطارهم الأصلي، معتبرين إياه إدماجاً قسرياً غير منصف.
- ترقيات 2025 و2026: التشبث المطلق باستفادة الأطر المستوفين للشروط من ترقيات 2025 و2026 على أساس قاعدة "الحصيص الأصلي"، باعتبار أن التأخير الحاصل في إنجاز هذه الترقيات في أوقاتها المحددة هو مسؤولية خالصة للوزارة وليست مسؤولية الموظفين. وعليه، أكد أن النقابة ستخوض معارك ضارية وستقيم الدنيا ولن تقعدها حتى يتم إنصاف هذه الحالات ورفع الحيف والتمييز عنها.
أفق معركة الاستقلالية الوظيفية وتدقيق المهام لأطر التفتيش
انتقل الكاتب الوطني بعد ذلك إلى مناقشة التحديات الكبرى المرتبطة بمستقبل أطر التفتيش بمختلف فروعهم (التوجيه، التخطيط، والشؤون المالية)، مؤكداً أن النضال لا ينتهي بمجرد تغيير الإطار الشكلي، بل يجب أن يقترن بمهام كاملة واختصاصات حقيقية منصوص عليها بوضوح.
وفي هذا الصدد، أشار إلى مشروع قرار تدقيق المهام الذي وعدت به الوزارة مراراً وتكراراً مؤكدة أنه "جاهز"، إلا أن ثلاث سنوات مرت دون أن يتم نقاشه أو إصداره رسمياً. كما استنكر بشدة الأحداث والسلوكيات اللامسؤولة التي شهدها مقر المفتشية الإقليمية بالجديدة، معلناً تضامن الجامعة المطلق مع فرع الجديدة في معركتهم التي تعتبر معركة لكل مفتشي ومفتشات المغرب ضد محاولات التضييق أو التمييز بين الأطر المزاولة وغير المزاولة بعد تغيير الإطار.
وفي صلب العملية النضالية، ركّز غميمط على القضية الاستراتيجية الكبرى المتمثلة في الاستقلالية الوظيفية لأطر التفتيش. وأوضح أن محاولات جعل المفتش تابعاً إدارياً للمدير الإقليمي أو الجهوي بشكل مطلق يفرغ مهمة المراقبة والافتحاص من محتواها، متسائلاً بكيفية منطقية: كيف لمفتش أن يراقب ويفتحص تدبير مدير إقليمي أو جهوي وهو يخضع لنفس سلطته الإدارية في التنقيط والتدبير؟
واستحضر النقاش الذي دار أثناء إعداد النظام الأساسي مع الوزراء الثلاثة، بما في ذلك تدخل وزير الميزانية الذي حاول إسقاط نموذج مفتشيات وزارة المالية على قطاع التربية الوطنية، رغم فارق القياس الواضح. وشدد الكاتب الوطني على أن قطاع التربية الوطنية يقتضي بالضرورة أن تكون له هياكل تنظيمية مستقلة للمفتشية العامة، بتمثيداتها المركزية والجهوية والإقليمية، لضمان استقلالية عمل المفتش وحمايته من أية تبعية تجعله أداة طيعة بيد المدبرين المحليين والجهويين.
الوحدة النضالية والعمل الميداني المشترك كخيار استراتيجي
في ختام كلمته التوجيهية الشاملة، وجه الكاتب الوطني تحية عالية ونضالية لكافة مناضلي ومناضلات النقابة الوطنية لمفتشات ومفتشي التعليم بالمغرب، المنضوية تحت لواء الجامعة الوطنية للتعليم (FNE). وشدد على أن المرحلة المقبلة تقتضي رص الصفوف وتعزيز الوحدة النضالية على مستوى المديريات الإقليمية وجهات المملكة.
ودعا جميع أطر التخطيط والتوجيه والتفتيش إلى الاستعداد الجيد والتعبئة الميدانية مع بداية الموسم الدراسي المقبل، والانخراط الواعي في الخطوات النضالية الأفقية والعمودية لمواجهة كل أشكال التعنت الإداري والتهميش، وصون المكتسبات التاريخية وانتزاع الحقوق المغتصبة، مؤكداً أن التاريخ علّم الشغيلة أن الحق يُنتزع ولا يُمنح، وأن العمل الوحدوي المشترك هو الضمانة الأكيدة لتحقيق الكرامة والعدالة الاجتماعية والأجرية لجميع نساء ورجال التعليم ببلادنا، والمضي قدماً في تطوير وظائف التعليم بالمغرب.

