إحداث مؤسسات جامعية جديدة ببركان وتيزنيت: ثورة في الخريطة الجامعية المغربية وتعزيز للعدالة المجالية والجهوية



في خطوة استراتيجية كبرى تترجم التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الرامية إلى ترسيخ ركائز الجهوية المتقدمة وتحقيق العدالة المجالية والاجتماعية في قطاع التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، حملت الجريدة الرسمية للمملكة المغربية (عدد 7527 الصادر في 5 صفر 1448 الموافق لـ 20 يوليوز 2026) مراسيم تنظيمية وحكومية حاسمة تقضي بإحداث مؤسسات جامعية جديدة بكل من مدينة بركان بجهة الشرق ومدينة تيزنيت بجهة سوس ماسة. يجسد هذا التطور النوعي منعطفاً تاريخياً في مسار هيكلة الخريطة الجامعية الوطنية، ويأتي ليجيب عن الانتظارات الملحة لساكنة الأقاليم المعنية، والفعاليات الاقتصادية والاجتماعية، والأسرة التعليمية والطلبة.

إن تتبع مسار أخبار التعليم بالمغرب ومستجدات الساحة التعليمية يؤكد أن الحكومة، بتنسيق وتكامل تامين مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار ورئاسات الجامعات المعنية (جامعة محمد الأول بوجدة وجامعة ابن زهر بأكادير)، تخطو خطوات ثابتة وجبارة نحو إرساء فضاء أكاديمي وطني يتميز بالمرونة، والدينامية، والاستجابة الفورية لحاجيات سوق العمل الجهوي والوطني. وعليه، سنتناول في هذا المقال الشامل والتحليلي تفاصيل هذه المكتسبات الأكاديمية الجديدة، مستندين بدقة متناهية إلى النصوص الرسمية المنشورة في الجريدة الرسمية، ومسلطين الضوء على الخلفيات القانونية، والتخصصات النوعية المحدثة، والأبعاد التنموية والاقتصادية والمجالية لهذه الأقطاب الجامعية الواعدة.

1. السياق العام والخلفية الإستراتيجية لتوسيع الخريطة الجامعية المغربية

تندرج عملية إحداث وتأسيس مؤسسات جامعية جديدة بمختلف ربوع المملكة في صلب الإصلاحات الكبرى التي تعرفها منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي. فقد أبان التقييم المستمر للسياسات العمومية في قطاع التعليم العالي عن ضرورة ملحة لتجاوز المركزية المفرطة في احتضان المؤسسات الجامعية الكبرى، والتوجه نحو لامركزية حقيقية تقرب الجامعات من المواطنين والطلبة في مختلف الأقاليم والجهات.

وفي هذا السياق، حرصت السلطات العمومية والوصية على قطاع التعليم العالي على تنزيل المخطط الوطني لتسريع تحول منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار (PCTE 2030)، والذي يضع في صدارة أولوياته تطوير العرض البيداغوجي والبحثي، وتنويع مسالك التكوين لترتكز على المهن المستقبلية، والتكنولوجيا الحديثة، والرقمية، وتثمين المؤهلات الاقتصادية الجهوية. ومن هنا يكتسب إحداث المؤسسات الجامعية بكل من بركان وتيزنيت دلالاته الاستراتيجية العميقة، باعتبارهما محطتين بارزتين في مسار بناء جهوية جامعية متقدمة ومنتجة للثروة ولمعرفة عالية القيمة المضافة.

2. مدينة بركان: تعزيز قطب الشرق الجامعي بثلاث مؤسسات استراتيجية كبرى

بعد سنوات من الانتظار والترقب الحثيث من طرف فعاليات المجتمع المدني، والمنتخبين، والأسرة التعليمية، وعموم الطلبة وأسرهم بإقليم بركان والجهات المجاورة، أتى المرسوم التنظيمي رقم 2.26.486 الصادر في 16 من محرم 1448 (2 يوليوز 2026) القاضي بتغيير وتتميم المرسوم رقم 2.90.554 المتعلق بالمؤسسات الجامعية والأحياء الجامعية، ليحمل بصفة رسمية خبر إحداث ثلاث مؤسسات جامعية كبرى تابعة لجامعة محمد الأول بوجدة.

وقد نصت المادة الخامسة من المرسوم المذكور بوضوح لا تقبل التأويل على أن تضم جامعة محمد الأول بوجدة المؤسسات الجامعية التالية:

  • كلية علوم المجتمع: تُعد هذه المؤسسة الأكاديمية إطاراً علمياً فريداً من نوعه يهدف إلى دراسة الظواهر المجتمعية المعاصرة، وتحليل التحولات الاجتماعية والثقافية العميقة التي تعرفها المجتمع المغربي، وتكوين أجيال من الباحثين والأطر القادرة على مواكبة السياسات العمومية، وتدبير الشان الاجتماعي والتنمية المحلية والجهوية بجهة الشرق وعموم التراب الوطني. تسعى الكلية إلى مزاوجة التأصيل النظري بالتكوين التطبيقي في ميادين علم الاجتماع، والخدمة الاجتماعية، والتنمية البشرية.
  • المدرسة الوطنية للذكاء الاصطناعي والرقمنة ببركان: تمثل صرحاً تكنولوجياً وعلمياً واعداً يندرج في صلب الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي وبناء اقتصاد المعرفة. تهدف هذه المدرسة العليا إلى تكوين مهندسين وخبراء ذوي كفاءة عالية في مجالات الذكاء الاصطناعي، تحليل البيانات الضخمة (Big Data)، الأمن السيبراني، وتطوير الأنظمة الرقمية الذكية، مما يتيح للشباب المغربي الإسهام الفعّال في الثورة الصناعية الرابعة.
  • المدرسة الوطنية العليا للصناعات الغذائية والبيوتكنولوجيا ببركان: مؤسسة أكاديمية وعليا متخصصة ترتبط ارتباطاً وثيقاً وعضويات بالمؤهلات الاقتصادية والفلاحية الهائلة التي تزخر بها جهة الشرق عموماً وإقليم بركان خصوصاً، والمعروف بإنتاجه الفلاحي المتميز والواعد. ستوفر هذه المدرسة كفاءات بشرية مؤهلة تأهيلاً عالياً في مجالات تثمين المنتجات الفلاحية، الصناعات الغذائية المتقدمة، وضبط جودة السلامة الصحية للأغذية، فضلاً عن التقنيات الحيوية الحديثة (البيوتكنولوجيا) الموجهة للقطاعين الفلاحي والصناعي.

يشكل إحداث هذه المؤسسات الثلاث نقلة نوعية كبرى في مسار تعزيز مكانة بركان كقطب جامعي صاعد ومتميز بجهة الشرق. فمن جهة، تجمع مجالات التكوين بين العلوم الاجتماعية والمجتمعية التي تفسر وتوجه التنمية البشرية والمجالية، ومن جهة أخرى، تقتحم التخصصات التكنولوجية والرقمية الحديثة والبيوتكنولوجية التي تشكل عصب الاقتصاد المعاصر والحديث. وهذا التنوع المنشود والبنيوي سيمنح دفعة قوية وقوية جداً للتعليم العالي بمدينة بركان، ويفتح آفاقاً واسعة ورحبة أمام حاملي شهادة البكالوريا لمتابعة دراساتهم العليا في تخصصات دقيقة، واعدة، ومطلوبة بقوة في سوق العمل المحلي والجهوي والدولي.

3. تيزنيت: ترسيخ العدالة المجالية وإرساء ركائز قرية المعرفة

على خطى تعزيز اللامركزية الجامعية وتقريب مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي من أبناء الأقاليم الجنوبية والوسطى للمملكة، شهد مشروع إحداث مؤسستين جامعيتين جديدتين بمدينة تيزنيت خطوة رسمية بالغة الأهمية والدلالة، بعد نشر مرسوم إحداثهما بالجريدة الرسمية للمملكة، ليندرجا بصفة رسمية ضمن النفوذ الترابي والجهوي لجامعة ابن زهر بأكادير.

ويتعلق الأمر بكل من:

  • كلية الاقتصاد والتدبير بتيزنيت: مؤسسة أكاديمية وازنة تستجيب للحاجيات الملحة والمتزايدة للمقاولات الصغرى والمتوسطة، والنسيج الاقتصادي الجهوي، والجهات في مجالات تدبير المقاولات، الاقتصاد التطبيقي، التسيير المالي والإداري، ومقاولاتية الشباب. تهدف الكلية إلى تخريج أطر كفيلة بقيادة المشاريع الاقتصادية ورفع التحديات التنافسية.
  • كلية العلوم القانونية والسياسية بتيزنيت: صرح علمي وقانوني رفيع يتيح للطلبة فرصة متابعة تكوين رصين ومتكامل في العلوم القانونية بمختلف فروعها وأقسامها (القانون الخاص والقانون العام) فضلاً عن العلوم السياسية والعلاقات الدولية، مما سيسهم بشكل مباشر في دعم الإدارة الترابية، والمهن القضائية والقانونية، وتعزيز ثقافة المؤسسات وحقوق الإنسان بالمنطقة.

وحسب المعطيات الرسمية والتقنية المتداولة والبرمجية الزمنية المعتمدة، يرتقب أن يتم الشروع الفعلي في تنزيل مقتضيات هذا المرسوم التاريخي ابتداءً من الموسم الجامعي 2026-2027. ويأتي هذا الإعلان الهام في انتظار استكمال أشغال البنيات التحتية الكبرى والمرافق التجهيزية بفضاء قرية المعرفة بمدينة تيزنيت، والذي تم تصميمه وهيكلته وفق أحدث المعايير الهندسية، المعمارية، البيئية، والبيداغوجية، ليحتضن هاتين المؤسستين الجامعيتين ويوفر فضاءً متكاملاً، حديثاً ومحفزاً للتحصيل العلمي، والبحث الأكاديمي الرصين، والأنشطة الثقافية والطلابية الموازية.

4. الأبعاد الإستراتيجية والتنموية لخريطة التعليم العالي الجديدة

لا شك أن التعديلات والتتميمات الجوهرية الواردة في مرسوم إحداث المؤسسات الجامعية الجديدة تعكس رؤية إستراتيجية واضحة المعالم، استباقية وعميقة، تنهجها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، بتنسيق وثيق وتشاركي مع مختلف الجامعات المغربية والفاعلين الترابيين. وتتجلى أبرز وأهم هذه الأبعاد في الآتي:

أ. تنويع العرض البيداغوجي والابتكار الأكاديمي المستدام

لم تعد الجامعة المغربية في السياق الراهن تقتصر على التخصصات التقليدية والكلاسيكية التي أصبحت متجاوزة في كثير من جوانبها، بل أصبحت تستجيب بمرونة عالية لمتطلبات العصر الرقمي والمعرفي عبر إرساء شعب دقيقة، متقدمة ومبتكرة مثل الذكاء الاصطناعي، الرقمنة الصناعية والخدماتية، الصناعات الغذائية، البيوتكنولوجيا الحديثة، وعلوم المجتمع. هذه التخصصات النوعية تضمن للخرجيين اندماجاً سلساً، سريعاً ومتميزاً في النسيج الاقتصادي والصناعي والاجتماعي الوطني والدولي.

ب. تقليص الفوارق المجالية والجهوية وتحقيق تكافؤ الفرص

إن إحداث كليات ومدارس عليا بمواصفات عالمية في مدن صاعدة مثل بركان وتيزنيت يجسد بوضوح تام وعملي مفهوم العدالة المجالية والترابية. فهذه المبادرات التنموية الهامة تخفف بشكل جذري العبء المادي والنفسي الكبير عن الأسر والطلبة الذين كانوا يضطرون للتنقل لمسافات طويلة والإقامة في المدن الجامعية الكبرى، مما يسهم بشكل مباشر في محاربة ظاهرة الهدر الجامعي، وتشجيع التمدرس، ومتابعة الدراسات العليا في ظروف مريحة، آمنة وملاءمة.

ج. الانفتاح الخلاق على المحيط الاقتصادي والجهوي والترابي

يتجسد الترابط الوثيق والعميق بين الجامعة ومحيطها التنموي في تكامل التخصصات المستحدثة مع المؤهلات الطبيعية والاقتصادية لكل جهة؛ فإحداث مدرسة عليا للصناعات الغذائية والبيوتكنولوجيا ببركان يخدم بشكل مباشر القطاع الفلاحي والصناعي الرائد بالمنطقة الشرقية، واحتضان تيزنيت لكلية الاقتصاد والتدبير والكلية القانونية والسياسية يواكب الدينامية التجارية، السياحية، الإدارية والاقتصادية الهامة التي تعرفها جهة سوس ماسة والأقاليم المجاورة لها.

5. التحديات المستقبلية وآفاق التطوير الأكاديمي والبنيوي

بالرغم من الطابع التاريخي والمكسب الوطني الهام الذي يمثله نشر مراسيم إحداث هذه المؤسسات بالجريدة الرسمية، فإن الرهان الحقيقي يكمن في مرحلة التنزيل الفعلي والتدبير المحكم. يتطلب الأمر تسريع وتيرة إنجاز البنيات التحتية والمرافق التجهيزية والمختبرات العلمية وفق الجداول الزمنية المحددة لضمان انطلاق الموسم الجامعي 2026-2027 في أفضل الظروف الممكنة.

كما يفرض الوضع تعزيز التنسيق المستمر بين الجامعات الحاضنة (جامعة محمد الأول وجامعة ابن زهر) والسلطات المحلية والمنتخبين لضمان توفير الخدمات الاجتماعية المرافقة للطلبة من أحياء جامعية، مرافق للنقل، فضاءات رياضية وثقافية، بما يضمن خلق بيئة جامعية متكاملة ومستدامة تشجع على الإبداع والتميز والبحث العلمي المنتج للحلول والتنمية.

خاتمة واستشراف

خلاصة القول، إن الإعلان الرسمي بالجريدة الرسمية للمملكة عن إحداث كليات ومدارس عليا جديدة بكل من بركان وتيزنيت يمثل محطة مضيئة وفارقة في تاريخ المنظومة التربوية والجامعية المغربية المعاصرة. إنه يعكس إرادة سياسية ومؤسساتية حقيقية وصارمة لتأهيل رأس المال البشري الوطني، ورفع التحديات التنموية والمعرفية والرقمية للبلاد، مستلهمة التوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، والرامية دائماً وأبداً إلى جعل قطاع التعليم والبحث العلمي الركيزة الأساسية للتقدم، العدالة الاجتماعية، والنماء المستدام الشامل.


جميع الحقوق محفوظة لمدونة تعليمك © 2026 | www.ta3limoka.com

أضف تعليقك
‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم